السيد محمد باقر الصدر

217

دروس في علم الأصول ، الحلقة الثانية ( تراث الشهيد الصدر ج 6 ق 1 )

والملاحظة من عدم وجود أيّة دلالةٍ لِلَّفظ لدى الإنسان قبل الاكتساب والتعلّم . الثاني : افتراض أنّ السببيّة المذكورة نشأت من وضع الواضع اللفظَ للمعنى ، والوضع نوع اعتبارٍ يجعله الواضع وإن اختلف المحقّقون في نوعيّة المعتبَر « 1 » ، فهناك من قال : إنّه « اعتبار سببيّة اللفظ لتصوّر المعنى » . ومن قال : إنّه « اعتبار كون اللفظ أداةً لتفهيم المعنى » . ومن قال : إنّه « اعتبار كون اللفظ على المعنى ، كما توضع الأعمدة على رؤوس الفراسخ » . ويرد على هذا المسلك بكلّ محتملاته : أنّ سببيّة اللفظ لتصوّر المعنى سببيّة واقعيّة بعد الوضع ، ومجرّد اعتبار كون شيءٍ سبباً لشيءٍ أو اعتبار ما يقارب هذا المعنى لا يحقِّق السببيّة واقعاً ، فلا بدّ لأصحاب مسلك الاعتبار في الوضع أن يفسِّروا كيفيّة نشوء السببيّة الواقعيّة من الاعتبار المذكور ، وقد يكون عجز هذا المسلك عن تفسير ذلك أدّى بآخرينَ إلى اختيار الاحتمال الثالث الآتي : الثالث : أنّ دلالة اللفظ تنشأ من الوضع ، والوضع ليس اعتباراً ، بل هو تعهّد من الواضع بأن لا يأتي باللفظ إلّاعند قصد تفهيم المعنى ، وبذلك تنشأ ملازمة بين الإتيان باللفظ وقصد تفهيم المعنى « 2 » ، ولازم ذلك أن يكون الوضع هو السبب في الدلالة التصديقيّة المستبطنة ضمناً للدلالة التصوّريّة ، بينما على مسلك الاعتبار لا يكون الوضع سبباً إلّاللدلالة التصوّريّة ، وهذا فرق مهمّ بين المسلكين . وهناك فرق آخر ، وهو : أنّه بناءً على التعهّد يجب افتراض كلّ متكلّمٍ متعهّداً وواضعاً لكي تتمّ الملازمة في كلامه ، وأمّا بناءً على مسلك الاعتبار فيفترض أنّ الوضع إذا صدر في البداية من المؤسِّس أوجب دلالةً تصوّريّةً عامّةً لكلّ من علم به ، بدون حاجةٍ إلى تكرار عمليّة الوضع من الجميع .

--> ( 1 ) راجع نهاية الدراية 1 : 47 وأجود التقريرات 1 : 11 ( 2 ) تشريح الأصول : 25 ، والمحاضرات 1 : 45